كلمة عصام حجي في ميزان العقل

أثناء النقاش مع الشباب المصري بعد المحاضرة التي ألقاها عالم الفضاء المصري الدكتور عصام حجي قبل اسبوع حول موضوع " اكتشاف المياه" والتي نظمها اتحاد الطلاب المصريين في مدينة فرانكفورت سأله أحد الشباب عن أسباب تخلف المجتمعات العربية رغم وجود عدد كبير جدا من أبنائها الذين درسوا في الخارج وحصلوا على شهادات علمية وكونوا خبرات كفيلة بإصلاح البلاد. فأجابه حجي بأن المشكلة الأساسية، في نظره، بعيدة كل البعد عن السياسة. تكمن المشكلة في العلاقة بين الرجل والمرأة التي يراها حجي في المشرق العربي أسوأ من المغرب الذي يدعي أن شبابه الدارس في أوربا وامريكا يعود ويطبق ما تعلمه في الخارج ويستثمره في وطنه، وينتهي إلى تأسيس حضارة على حد قوله.
   حجي الذي تزوج بتكاليف بسيطة جدا في حفل صغير في غرفته في المدينة الجامعية في فرنسا والتي تبلغ مساحتها حوالي نصف القاعة التي القى فيها المحاضرة في مدينة فرانكفورت، يرى أن سوء العلاقة بين الرجل والمرأة في مصر هو السبب الرئيسي في استنزاف طاقة الشاب والفتاة وضياع أوقاتهما في أمور تافهة. إن الشاب في مصر يستنزف جزء كبير جدا من طاقته في الحصول على تكاليف الزواج باهظة الثمن التي تضطره في أحيان كثيرة إلى السفر الى الخليج العربي وتحمل ما لا يطيق كي يقوم بخطوة بسيطة جدا، في نظر حجي، يمكن تحقيقها بأقل التكاليف كما هو الحال في أوربا. فبدلا من أن يستغل الشاب ربيع عمره في تحصيل العلم والعمل من أجل تطوير البلاد يجبر على إضاعة سنوات زهرة شبابه من أجل الزواج الذي تنتهي نصف حالاته في مصر بالطلاق بحسب الإحصائيات الأخيرة.
ثم يضرب حجي مثالا عمليا على عدد حالات الزواج في مصر سنويا والتي تبلغ حوالي مليون حالة إذا تكلفت كل منها ١٠٠ الف جنيه، وهو معدل لا يمكن مقارنته بالواقع، ستبلغ تكاليف الزواج في مصر ١٠٠ مليار جنيه سنويا، على حين تبلغ ميزانية وزارة التربية والتعليم حوالي ٨٠ مليار جنيه فقط، أي أننا ننفق على الزواج أكثر من التعليم فضلا عن استنزاف طاقات الشباب، بالتالي نحن أمام كارثة متعددة الأبعاد والعواقب.
   ولكن هل يتحمل الشباب المسؤولية وحدهم  أم أن لثقافة المجتمع والعادات والتقاليد التي فرضت عليهم والشروط التي يضعها الوالدين للزواج أيضا نصيبا من المشكلة؟
يجيب حجي على هذا السؤال الذي لم يطرحه أحد بأن العادات ليست ثابته، بل تتغير بتغير الزمان والمكان، بالتالي على الشباب أن يتجاوز هذه العادات التي لم تعد تتناسب مع العصر ولا مع الظروف الإقتصادية لمصر التي تسوء يوما بعد يوم. حجي كان يخاطب شباب يعيش في أوربا منذ سنوات ويرى سهولة الإرتباط هناك، سواء كان في شكل المساكنة التي يرفضها مجتمعنا أو الزواج، وأنها خطوة لا تحتاج فقط إلا إلى الإيجاب والقبول من الطرفين، وما عدا ذلك من مسكن أو هدايا كلها أمور فرعية لا تؤثر على الزواج. بالتالي الرجل كان يعي أن مخاطبيه رأوا مثالا حيا وهم أجدر الناس على تطبيقه في بلادهم ومواجهة تحدي تغيير الواقع المرير، أو على الأقل داخل الجالية المصرية مثلا في أوربا؛ فلم يذكر حجي طريقة زواجه إلا ليحث الشباب المصري على تكرارها في اوربا، فالجالية المصرية مثلا في المانيا تقترب من ال ٤٠ الف، ولكن طبعا سيكون على الشباب مواجهة رد الفعل الأسرة في مصر إذا أقدموا على هذه الخطوة.
    إن حجي وإن كان مصيبًا في مجمل كلامه، إلا أنه غير محق في تفريقه بين المشرق والمغرب بصدد العلاقة بين الرجل والمرأة. صحيح للمغرب العربي ظروف تاريخية أخرى تختلف عن المشرق متمثلة في احتكاكه المباشر مع الغرب عن طريق الأندلس والمواطنين الذين هجروا منها بعد سقوط غرناطة ١٤٩٢ وما أضافوه للمجتمع المغاربي من لمسة عقلانية، فضلا عن تحقيق بلد كتونس مثلا لقدر كبير من الحرية والديمقراطية بعد ثورات الربيع العربي، لكن الخطاب الديني المسيطر في المشرق هو نفسه المسيطرفي المغرب وإن اختلفت الدرجة، ثم إن بلدا مشرقيا كلبنان مثلا نجد فيه علاقة بين الجنسين تحاكي الثقافة الفرنسية في جزء كبير منها. والدكتاتوريات المتحكمة في المغرب، بإسثناء تونس البلد الصغير، لا تدع فرصة للعقول المبدعة أن تغير شيئا في الواقع، لذلك نجد أساتذة جامعات من المغرب العربي يعملون أيضا في جامعات أوربا وأمريكا.
إن علاقة الرجل الشرقي عمومًا، مشرقيًا كان أم مغربيًا، بالمرأة علاقة متأزمة جدًا لا يمكن تجاوزها إلا بتجاوز خطاب ديني قائم على التمييز بين الجنسين وعادات مجتمعية متأثرة بشكل مباشر أو غير مباشر بهذا الخطاب. ففيما يتعلق بالزواج مثلًا، فمهر المرأة شرعه الإسلام تكريمًا لها، ونبي الإسلام يقول " أقلهن مهورًا أكثرهن بركة"، وبالتالي قد يكون المهر المرتفع، وكذلك مؤخر الصداق، مرتبط بقوامة الرجل على المرأة وحقه في إيقاع الطلاق في أي وقت، وهي مسألة يبالغ فيها الخطاب الديني مبالغًة شديدة؛ فالرجل والمرأة أصبحا متساويين تمامَا في الحقوق والواجبات في عصرنا الحديث. وقد يكون المهر المرتفع أيضًا مرتبطًا بحصول المرأة على النصف في الميراث، وهو حكم لم يعد متلائمًا مع تطورات العصر الذي غدت فيه المرأة إما عائلة للأسرة أو مشاركة في نفقاتها مع الزوج، وهناك آيات في مطلع سورة النساء قد يفهم منها نسبية الحكم بميراث النصف لا يسمح المقام هنا بذكرها أو مناقشتها. طبعا من المعروف أن هناك حالات ترث فيها المرأة مثل الرجل أو ضعفه، وأن حالات ميراث النصف لا تتجاوز أربع حالات، لكن هذه الحالات هي الغالبة، بالتالي لا يصلح هذا الرأي لأن يكون حجة.
 هذا فيما يتعلق بالزواج، أمُّا نظرة الرجل الشرقي للمرأة عموما، فالخطاب الديني السائد يصر على أن المرأة نصف الرجل في كل شيء، في الشهادة والميراث مثلَا، وأنًّ له القوامة عليها حتى وإن كانت عائلة الأسرة، وأنًّها خلقت من ضلعه فهي تابعة له، والتفسير الآخير متأثر بنصوص الإسرائيليات التي إنتقلت إلى الإسلام عن طريق اليهود المتحولين إلى الإسلام وهي تفسيرات بعيدة عن روح الإسلام وتزيد الأمر تأزيمًا. طبعًا لا أنتقد آيات القرءان الكريم، لا سمح الله، لكني أنتقد فهم رجال الدين المتعصب لها.
   كل هذه العوامل تجعل الرجل الشرقي، مسلمَا كان أم مسيحيَا، يغالي في تقييمه لذاته، وتجعل المرأة الشرقية مقتنعة بأنًّها أقل درجة، إن لم يكن درجات، من الرجل، مما ينعكس على طلبات الزواج من الفتاة نفسها أو من الوالدين، فإذا كانت المرأة أقل شانًا من الرجل فلعلها تستطيع أن تعوض هذا النقص بكثرة تكاليف الإرتباط بها.

إن الشباب المقيم في أوربا في ألد الحاجة إلى نصيحة حجي تلك، لكنًّه كي يطبقها تطبيقَا واعيًا لابد أن يتجاوز هذا الخطاب الديني التمييزي ولا ييأس من رد فعل المجتمع، لأن كل تغيير له ثمن.


Kommentare

Beliebte Posts aus diesem Blog

نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي الحنبلي: تحليل ونقد

حصلت على بكالريوس الجرمانيات، فماذا أفعل؟