الجذور التاريخية للنفسية الألمانية
بعد دراسة الجرمانيات لمدة أربع سنوات بجامعة الأزهر أتتني فرصة للسفر إلى ألمانيا للعمل. وكأي شاب يحلم بالسفر إلى هذا البلد المتقدم الجميل سارعت بإنجاز إجراءات السفر وبعد شهور قليلة استقليت الطائرة وحققت حلمي بفضل الله في وقت شبه قياسي. ألمانيا بلد يتيح لك كل امكانيات التقدم والرقي والراحة النفسية لك ولابنائك. لكن شعبه في المقابل يعاني من عقدة، بل عقد، تاريخية طالت نتائجها العرب بغير ذنب فعلوا
أسجل في هذا المقال القصير ملاحظاتي عن النفسية الألمانية كما عرفتها وأحاول توضيح الأسباب وفقا لقراءة بسيطة لتاريخ ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية
حصدت ألمانيا بعد الحرب الشوك الذي زرعه الحزب النازي بقيادة الزعيم الملهم أدولف هتلر الذي وصل إلى الحكم عام ١٩٣٣ وظل به حتى مات منتحرا بعد خسارة ألمانيا الحرب عام ١٩٤٥. بعد دمار المانبا واستسلامها في العام المذكور اقتسمت قوات الحلفاء الأربعة الأرض الألمانية. حصلت روسيا بقيادة الزعيم الشيوعي المنتصر جوزيف ستالين على الجزء الشرقي الذي عرف فيما بعد بجمهورية ألمانيا الديمقراطية، وحصلت الولايات المتحدة الأمريكية وانجلترا وفرنسا على الجزء الغربي الذي عرف لاحقا بجمهورية ألمانيا الإتحادية. فضلا عن تقسيم برلين العاصمة إلى أربعة قطاعات. فتحولت ألمانيا التي احتلت أثناء الحرب حوالي ١١ دولة إلى دولة تقستمها أربعة دول وهو أمر نادر الحدوث تاريخيا. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ فقد خسرت ألمانيا اجزاء ليست بالقليلة من أرضها التاريخية بعد أن أقتطعت بولندا جزءا من الشرق فيما يمثل مدينة دانسيج التي تسمى حاليا بالبولندية جدانسك واقتطعت هولندا جزءا من الغرب ادعت أنه كان ملكا لها سطا عليه النازيون والأمر نفسه فعلته فرنسا حين استولت على جزء من ولاية راينلاند بلاتينات بغرب ألمانيا. هذا فيما يتعلق بدمار الأرض وخسارة جزء منها
أما عن الخسائر البشرية فحدث ولا حرج. وصل ضحايا ألمانيا وحدها أثناء الحرب إلى عشرة ملايين جندي كلهم في سن الشباب، الأمر الذي أدى إلى إلقاء عاتق كبير جدا على المرأة الألمانية في مرحلة البناء بعد الحرب. هذا فضلا عن مئات الآلاف من الجنود الألمان الذين أسروا في الدول التي احتلها النازيون أبان الحرب. وهؤلاء دفعوا ثمنا باهظا جدا؛ فقد تم تسخيرهم لإصلاح ما أفسدوه مقابل الحصول على الطعام والشراب فقط وتعرضوا لأبشع انواع الإهانة والتعذيب ولم يعودوا إلى ديارهم الى بعد سنوات. أسرى ألمانيا في روسيا كانوا هم أخر من عاد من الأسرى بعد مفاوضات مريرة قام بها كونراد أديناور مع الروس
بقيت ألمانيا مقسمه من عام ١٩٤٥ وحتى عام ١٩٤٩. في الشرق السوفييتي عانت المرأة ألمانيا الأمرين. فتظهر لنا المقاطع المرئيه صورا لجنود سوفييت كانوا يحلقون للنساء شعرهن ويرسمون على وجوههن صليب النازية المعقوف وكل من يقابل امراءة في طريقه يضربها ضربا مبرحا. ولقد بلغت اعداد النساء اللاتي اغتصبهن السوفييت في الشرق وحده حوالي اثنين مليون امرأة لا تزال الاحياء منهن يعانين من عقد نفسية حتى اليوم، وهو ما قد يفسر جزءا من نفسية المرأة الألمانية المعاصرة. في الوقت نفسه وجدت المرأة الألمانية نفسها مضطرة إلى أن تتجشم عناء إعادة إعمار البلاد فكانت مسؤولية مضاعفة: اغتصاب واضطهاد وإعادة إعمار
أما من بقي من النازيين على قيد الحياة فقد تمت محاكمته في مدينة نورنبرج، التي سنت فيها قبل أقل من خمسة عشر عاما قوانين اضطهاد اليهود، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وهي محاكم وصفها المفكر الفرنسي روجيه جارودي بغير المنصفة؛ إذ ليس من العدل أن يحاكم المنتصر المهزوم ويلقي عليه بكل التهم وكأنه بريء لم يرتكب أية جرائم ونحن نعلم نصيب الحلفاء من الجرائم في الحرب العالمية الثانية. كانت النتيجة أن تحمل الألمان كل الجرائم حتى التي لم يفعلوها. وهذه واقعة نادرة أخرى في التاريخ الحديث أن يقوم منتصر بمحاكمة المهزوم على في عقر داره
إذا الألماني بعد الحرب أصبح المجرم المهزوم المحتل المدمر المستعبد لإصلاح ما أفسده النازيون. كل من إحتل ألمانيا وأهان الألمان لم يكن أفضل من منهم في شيء؛ فلم يكن تشرشل ولا ستالين ولا فرانكلين روزفلت ولا خليفته هاري ترومان بأفضل من النازيين بل كل هؤلاء مجرمي حرب
الجيل الجديد المولود في ألمانيا الإقتصاد الرابع عالميا عندما يقرأ تاريخه يشعر بالعار. الألماني المعاصر يشمت في أي خراب يحدث في العالم لأنه عاش خرابا ليس له مثيل. وانظر الى نفسية الصحفي الألماني في تركيا وفي كل دول الشرق الأوسط ستجده يلوي عنق الأحداث وينقلها بالطريقة التي لا تخلو من شماتة وحقد
الألماني المعاصر يظن أحيانا أنه مهما فعل سيظل النازي في أعين الآخرين مما يؤثر بالسلب على سلوكه
أما نظرته للعربي ولا سيما المصري فذات طبيعة مركبة. في جلسة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية لحل القضية اليهودية دار الحديث عن اليهودي المضطهد الذي حاول النازي ابادته وبالتالي فلابد من البحث عن وطن له وهو أرض فلسطين التاريخية التي لم يكن اليهود يملكون منها حتى عام التقسيم ١٩٤٨ سوى ٧ بالمائة. هذا القرار كان في مصلحة أوربا عموما وألمانيا خصوصا؛ لانه أراح أوربا من غريب لا يريد الإندماج وألمانيا من مفسد المجتمع الذي كان أحد أسباب خسارتها في الحرب العالمية الأولى لا سيما وأن الأمم المتحدة لم تعط اليهود ولاية بافاريا ولا أرض الراين تعويضا عما لحقهم من خسائر بشرية جراء المحرقة النازية المزعومة
بعد توليه السلطة حاول كونراد أديناور أول مستشار لألمانيا الغربية تكوين علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني ما لم يكن ممكنا قبل تعويض اليهود عن ضحاياهم. رفض حزب الليكود في باديء الأمر أي علاقات مع ألمانيا في حين رحب دافيد بن جوريون بعرض أديناور لأن الكيان الجديد بحاجة إلى أموال كثيرة لإعمار الأرض المغتصبة. في الأخير عقدت اتفاقية لوكسمبورج عام ١٩٥٢ لتعويض اليهود عن ممتلكاتهم وضحاياهم وهو نفس العام الذي وصل فيه المصري جمال عبد الناصر إلى السلطة وهو الذي سيمثل مصدر إزعاج دائم لأوربا وأمريكا لرفضه القاطع لوجود هذا الكيان وسط العرب وهو الجندي الجريح الذي عاد مهزوما في حرب ١٩٤٨. كان اعتراف ألمانيا بالكيان الصهيوني عام ١٩٦٥ سببا في قطع مصر و ١١ دولة عربية أخرى علاقاتها الدبلوماسية مع ألمانيا واعتراف مصر بألمانيا الشرقية التي كانت خاضعة للسوفييت لا سيما في فترة الرئيس ڤالتر أولبريشت، الأمر الذي مثل كارثة للمعسكر الغربي عموما
خاض العرب خمسة حروب ضد الكيان الصهيوني تنفرد مصر وحدها بأربعة منها. بما أن ألمانيا صاحبة الذنب التاريخي الذي لا يغتفر فكل محاولة لزعزعة أمن هذا الكيان تضع ألمانيا في مسؤولية مباشرة للدفاع عنه، الأمر الذي انتهي بجعل أمن الكيان جزءا من الأمن القومي الألماني في عهد المستشارة أنجيلا ميركل. العربي هو إذا مصدر إزعاج ألمانيا غير المباشر الذي تذكر كل محاولة له لمقاومة المحتل ألمانيا بذنبها التاريخي وتلزمها بمساندة الكيان بالمال والسلاح غير مبالية بالضحايا بل ربما أرسلت جنودا ألمان للحرب في صف الجيش الصهيوني
هذه النفسيه يلاحظها كل عربي مقيم في ألمانيا. الألماني مذنب بالفطرة وهو سبب احتلال الصهاينة لأرض العرب ومن هنا فهو مذنب في حق العربي أيضا. لكن العرب متخلفون فهل يترك الألماني نفسه يشعر بالدونية أمامهم؟
من حسن حظ الألماني أن العرب متخلفون والكيان الصهيوني متقدم وأن هناك قوانين ألمانية عنصرية تجرم إنكار حق الكيان الصهيوني في الوجود وانكار المحرقة النازية وتصل أحكام السجن في هاتين الحالتين الى ٢- ٥ سنوات. وبالتالي الألماني قادر على أن يكمم أفواه العرب بل ويشعرهم بالدونية الخليق هو بها. ولا أجد قولا يصف حالة الألماني في تعامله مع العربي حال الحديث عن الصراع العربي- الصهيوني أبلغ من المثل المصري قاسي الألفاظ الذي أضطر هنا إلى كتابته بفصحى العربية " إذا أرادت العاهرة أن تلهيك، نقلت ما فيها فيك." الألماني في هذا الموقف كالعاهرة التي تتهم العرب بالعهر ذورا قبل أن يعايروها بعهرها الحقيقي.
مقال رصين ويعج بالمعلومات التاريخية التى يجهلها الكثير
AntwortenLöschen