الأٌقليات الشعوبية في بلاد العرب: من المبالغات إلى أنصاف الحقائق.


تعيش في بلاد العرب الآن أقليات عرقية ودينية لا تكن للعرب خيرا ولا تزال تعيش على أفكار ورثوها عن الآباء والأجداد. يجد الغرب في هذه الأقليات ذات النزعة الشعوبية أرضا خصبة لنشر أفكاره التغريبية في محاولة لإعادة تقسيم الشرق كما فعل قبل الحربين العالميتين وبعدهما. من هذه الأقليات الأكراد واليزيديين في ما يعرف بمنطقة كردستان التاريخية الموجودة حاليا في إيران وتركيا وسوريا والعراق، والسريان في الثلاث دول الأخيرة.

هناك إتهامات ترددها هذه الأقليات بين الحين والآخر يريد هذا المقال القصير تناولها:

1-    دخول الإسلام الى سوريا ومصر وتسميه احتلال
2-    طباعة المصحف الشريف في حلب
3-    إدعاء غالبية المسلمين تحريف الإنجيل
4-    إشتقاق اللغة العربية من اللغة السريانية
5-    وضع الأقليات المسيحية في الدول ذات الأغلبية الإسلامية
6-    إستقبال ألمانيا للاجئين العرب وحسن معاملتهم لها مقابل ترك دول الخليج الغنية لهم.

أولَا:

دخول الإسلام سوريا أو مصر أو غيرها من الدول التي أصبحت عربية بعد الفتح العربي لا يمكن ببساطة تسميته احتلال، لأن هذا الرأي ببساطة- وهو رأي المستشرقين بالأساس- مجرد منطق تجريدي لا يراعي اعتبارات اجتماعية وانثروبولوحية تاريخية، ويغفل دور الفاتحين العرب في تخليص المسيحيين من استعباد الرومان لهم وحال المصريين تحت حكم المقوفس خير دليل. كما يغفل صوركثيرة  لنشر المسيحية  بالسيف وبطرق أخرى يمكن أن نسميها " السيف النفسي الناعم" مثل اغراء الأفارقة السود بالنساء الجميلات وبالأموال من أجل اعتناق المسيحية، واطلاعهم على نصوص بعينها من الإنجيل واخفاء نصوص أخرى حتى خصص لهم انجيل سمي " انجييل العبيد" slave-bible. كما أن العالم الذي ظهر فيه الإسلام كان عالمَا متحاربَا يقوم على القوة، إن لم تتوسع خارج حدودك فقد يأتيك جيرانيك ليحتلونك. والمعيار هنا هو ما تركه الإسلام خلفه مقابل ما تركه الفرس والروم. غير أن أي عاقل لا يستطيع إنكار بعض الجرائم التي قام بها الفاتحين فيما بعد. لكن في النهي يبقى المسلمون أرحم الفاتحين على مر التاريخ، وقد تركوا ورائهم حضارة التعايش والتسامح والإبداع في الأندلس، وهو ما لم يعرفه التاريخ مثلَا في عصر الإمبراطورية الإغريقية ولا والفارسية ولا الرومانية.

وفيما يتعلق بمصر فلا يمكن الإدعاء أنها فتحت بالسيف، فقد دخلها العرب عام 641 م وفتحها جيش جله من اليمن كما يذكر بن عبد الحكم في كتاب " فتح مصر".

-
مصر اعتنقت الإسلام وتحدثت العربية في القرن العاشر، وبالتالي لا يمكن القول بأن مصر تأسلمت أو اكرهت على الإسلام بالسيف، فما اتلم هذا السيف الذي يحتاج إلى 400 سنة ليجبرك على شيء!


-
 ليست عروبة مصر بحاجة إلى تأكيد ولم تكن صلتها بالعرب بحاجة إلى الفتح العربي ودخول الإسلام؛ فهاجر جدة العرب من ابيهم اسماعيل مصرية، أي أن العرب في جزء كبير منهم هم من ينتسبون إلى مصر وليس العكس، أضف إلى ذلك أن هجرات العرب إلى مصر لم تبدأ مع الفتح العربي، فمن يرجع بالتاريخ إلى الوراء يجد هجرات عربية كثيرة في العصر الفرعوني ذاته.

-
أقباط مصر اختاروا العربية لغة أم للحفاظ على الوحدة الوطنية ولم يجبروا عليها، وهذا يحسب لهم، ولا تزال قرية " الزينية" في اسيوط تتحدث القبطية بين الفينة والفينة إلى اليوم، مما يعني أن بمصر ثراءا لغويا: العربية والنوبية والقبطية بالإضافة إلى بعض لهجات البدو.


ولا يخفى على أحد من المنصفين أن التنصير لطالما ارتبط بالإستشراق والإستعمار. أما اليهود فلست بحاجة الى الحدبث عنهم، فكما قلت في منشور سابق لولا الإسلام لأندثرت اليهودية واليهود.
والأقليات الدينية والعرقية في العالم العربي لا تؤمن بالتطور التاريخي؛ فاالتاريخ عندها توقف عند العصر السرياني لسوريا، شأنها في ذلك شأن كثير من الأقباط في مصر. وحديثهم بالعربية دليل على أنهم أصبحوا نصف عربي على الأقل وإن كانوا سريان أو أقباط؛ إذ اللغة تصوغ الوعي وتؤطر للفكر. فالمصريون مثلَا أصولهم فرعونية، والسوريون أصولهم سريانية آرامية، والعراقيون أصولهم سومرية بابلية آشورية.....  لآخر الدول العربية، لكننا جميعَا أصبحنا عربا تميزنا ثقافاتنا الأصيلة عن عرب الجزيرة العربية التي انقسمت الآن الى السبع دول الخليجية.

لكن لماذا يتبرأ الجميع من العروبة؟ في الحقيقة بالغ كثير من مؤرخي الإسلام في وصفهم لحالة الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام كي يهولوا من فضل الإسلام عليها، والإسلام ليس بحاجة الى ذلك فهو مقر لكثير من العادات المحمودة وبعض الشرائع التي كانت سائدة في الجزيرة العربية. من ناحية أخرى أثبتت كثير من الإكتشافات الآثرية الحديثة في الإمارات تحديدَا أن العرب قبل الإسلام كانت لهم حضارة بدرجة ما، ولم يكونوا جميعهم مجرد بدو حفاه عراه كما يروج البعض.
يبقى أن نقول أن كثير من خلفاء العرب المتأخرين بطشوا بالشعوب المفتوحة، وهذا لا يخفى على قراء التاريخ الإسلامي.

ثانيَا:

 
طباعة المصحف في حلب أمر لا أظن أن جحده أحد من المسلمين، ولولا الفتوحات العربية في كثير من البلدان المجاورة لشبه الجزيرة والتي كانت تتعرض لبطش أباطرة البيزنطيين لظل المسيحيون يعانون من الإكراه على اعتناق مذهب الإمبراطورية الرومانية المقدسة، وقد صور يوسف زيدان في عزازيل بطريقة مبدعة كثيرا من الجرائم التي قام بها المسيحيون في مصر في القرون الأولي. يعني أن الإسلام أخذ وأعطي.

ونعلم جيدَا أن غالبيتنا نحن المسلمين يتهم الإنجيل بالتحريف وهو لم يقرأه وربما لا يعرف شكله أصلَا، وإن كان للمتخصصين في مقارنة الأديان رأي آخر.




ثالثَا:

أما أن اللغة العربية (وليس الخط العربي) مشتقة من السريانية فأظن أن هذا ركوب لموجة الفونسوا منجانا العراقي وكريستوف لوكسمبرج وجابرييل ساوما اللبنانيين دون وعي، وهذا هو حال الأقليات الشعوبية التي بقيت على دينها في الدول العربية، كل منهم يحاول على نحو أصولي أن يرد الحاضر الى أصول متفردة في الماضي. الحق أن الخط العربي فقط مشتق من الخط السرياني وهذا واضح حتى لغير المتخصصين من مجرد مقارنة الخطين. وليس مجرد السبق الزمني وتشابه الألفاظ بدليل كاف عن انبثاق لغة عن أخرى، بالإضافة الى أنه كانت توجد لغات كثيرة جدا استخدمت خط لغات أخرى للتعبير عن نفسها، مما لا يعني أنها تطورت عن تلك اللغات. وهذا الرأي لم يخترعه المستشرق الألماني كارل بروكل مان الذي درس اللغات السامية، بل نجد هذا الرأي في كتب التراث الإسلامي.

رابعَا:

 
أما عجرفة المسلمين في الدول التي يشكلون يها أغلبية فلا شك فيها، وإن كان أغلب المسيحيون موالين للغرب بشكل واضح نكاية في المسملمين، ولن أتطرق الى سوريا لاني لم أزرها قط. لكني تعرضت شخصيَا في مصر الى تمييز عنصري واضح من قبل أقباط في مدينة الغردقة. ولم تحدث فتنة طائفية في مصر الإ ابان الحروب الصليبية حين ساعد كثير من الأقباط الصليبيين وتكررت الحادثة من جديد في فترة الإحتلال الفرنسي مع المعلم يعقوب القبطي الذي وقف بجانب الفرنسي المحتل.

خامسَا:

وواضح أن الحديث عن استقبال ألمانيا للاجئين وأوضاعهم فيها حديث غير واع. طبعَا أغلب الناس لا يقرأ بين السطور ولم يأت الى ألمانيا أصلَا.وقلما يدور الحديثعن وضع السوريين في مصر مثلَا، وهي دولة عربية اسلامية فتحت ذراعيها لهم ولغيرهم، وصحيح أنها لم تساعدهم مساعدة ألمانيا لهم، لكنها في ذات الوقت لم ولن تستغلهم، ولا تركيا المسلمة التي إستقبلت حوالي ثلاثة ملايين سوري.
وأظن أن معظم العرب لا يعرفون العرض الذي قدمه بشار الأسد للمستشارة الألمانية أنجيلا مركل عام 2015 للجلوس على مائدة واحدة للتفاوض حول مسألة اللاجئين لكنها رفضت وفضلت أن تستقبل اللاجئين لتظهر بمظهر منقذ البشرية وتحسن تاريخ البلاد المشبوه، وهي التي لم تتوقف إلى الأن عن تصدير السلاح إلى حلفائها في الدول العربية لقتل الأبرياء والتي أعلنت حق دولة بني صهيون الإرهابية في الوجود جزءَا لا يتجزأ من أمنها القومي على نحو يجعل من مقاومة الفلسطينيين لها إهانة لألمانيا نفسها. ولا نستبعد نية ألمانيا في سد النقص في سوق العمل بالأعداد الكبيرة التي استقبلتها من اللاجئين.

وللحديث بقية إن شاء الله.



Kommentare

Kommentar veröffentlichen

Beliebte Posts aus diesem Blog

نظرية المصلحة عند نجم الدين الطوفي الحنبلي: تحليل ونقد

كلمة عصام حجي في ميزان العقل

حصلت على بكالريوس الجرمانيات، فماذا أفعل؟